قد يوحي الكم الكبير من الصحف والمجلات والمطبوعات الأخرى، ووكالات الأنباء، ومحطات البث التلفزيونية والإذاعية، ومراكز الأبحاث، والمواقع الإلكترونية وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، أن صناعة المعلومات العربية، بألف خير. لكن نظرة أعمق إلى هذه الصناعة الحيوية، تظهر أن جانباً كبيراً من المعلومات المنشورة هو آراء فردية متناثرة وترجمات، أو في أحسن الحالات، إعادة إنتاج للمعلومات المصنوعة في الغرب. هذه النتيجة خطيرة جداً! فإذا كنا لا ننتج سوى قدر ضئيل من المعلومات المعرفية، فمن المؤكد أننا لا نعرف أنفسنا بشكل صحيح!
يعني ضعف صناعة المعلومات العربية المعرفية، أننا لا نسبر واقعنا، فنجمع معلومات عنه، أو نجمعها، لكننا لا نحللها ونضعها في موقعها ضمن بنية معرفية متكاملة. ونتيجة ذلك واضحة: فإما أن صورتنا عن أنفسنا ستكون مستمدة من الغرب، أو ذاتية، يخمنها كل منا حسب هواه.
صنع المعلومات المعرفية مسألة ليست بالهينة، لأن هذا يتطلب تضافر الخبرات والبحث الطويل، وينعكس بالتالي على التكلفة. فتكلفة إنتاج صفحة ناجمة عن بحث ميداني، تفوق تكلفة إنتاج صفحة مترجمة بالاستعانة بالترجمة الآلية، عشرة مرات على الأقل. تدفع هذه العوامل، معظم وسائل النشر العربية، للتركيز على الترجمة، بهدف تخفيض تكلفة الإنتاج. لا أحاول التقليل من أهمية الترجمة، فهي الخطوة الأولى في المسيرة النهضوية للمجتمعات المتخلفة، لكنني أحاول تسليط الضوء على أهمية توجه صناعة المعلومات العربية نحو المزيد من سبر الواقع، بهدف معرفة الذات، وهي الطريقة الوحيدة لبناء استراتيجيات عربية سليمة.
فبالإضافة إلى أهمية الترجمة إلى العربية، تتطلب زيادة إنتاج المحتوى العربي الرقمي وتطوير جودته استراتيجية متكاملة تجمع بين الاستثمار التكنولوجي، التمكين البشري، والوعي الاستثماري. يمثل المحتوى العربي المعرفي حالياً نسبة ضئيلة جداً على الإنترنت لا تتناسب مع عدد المتحدثين باللغة العربية، ولتجاوز هذه الفجوة يمكن التركيز على المحاور الأساسية التالية:
الاستثمار في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي: دعم وبناء نماذج ذكاء اصطناعي مدربة محلياً على الفصحى واللهجات الدارجة لفهم السياق الثقافي بدقة، وهو ما قامت به شركة هيوماين السعودية بإطلاقها، في أغسطس 2025، نموذج ذكاء اصطناعي يحمل اسم “علّام” موجه خصيصا لخدمة اللغة العربية بمختلف لهجاتها. نأمل أن يتواصل تطوير هذا المنتج والمنتجات الأخرى المرتبطة بالذكاء الاصطناعي العربي، أسوة بما يتم مع المنتجات العالمية المشابهة.
رقمنة الأرشيف العربي: تحويل الكتب والمخطوطات والبحوث الورقية في الجامعات والمكتبات العربية إلى نسخ رقمية قابلة للبحث (OCR)، مع العلم أنه لايزال هناك تقصير كبير في هذا المجال.
دعم صناديق صناع المحتوى: إطلاق مبادرات حكومية وخاصة لتمويل صناع المحتوى الهادف والموثوق في مجالات العلوم والتاريخ والتقنية، مع العلم أن المبادرات الحالية قليلة جداً. منظمة الإسكوا التابعة للأمم المتحدة مثلاً لم تعد تدفع أي مقابل مادي أو مكافأة نقدية للفائزين بجائزة “الإسكوا للمحتوى الرقمي العربي”، وتكتفي بتقديم عدة أشكال من الدعم المعنوي.
تحسين عوائد الإعلانات: الضغط على منصات الإعلانات العالمية مثل (Google AdSense) لرفع قيمة الإعلانات المرتبطة بعدد مرات زيارة صفحات المحتوى العربي، والتي تصنف حالياً منخفضة مقارنة بالمحتوى الإنجليزي.
الاشتراكات المدفوعة: تشجيع المنصات التي تقدم محتوى عربي عالي الجودة مدفوع، لضمان استدامة مشاريعها التحريرية، وذلك عبر توجيه المؤسسات الحكومية والمشتركة للاشتراك بها.
التدوين المتخصص: تكثيف الكتابة في المجالات التقنية، والمهارات المطلوبة مستقبلاً، والذكاء الاصطناعي باللغة العربية، حيث تعاني هذه المجالات من شح شديد في المحتوى المرجعي.
إثراء ويكيبيديا العربية: تنظيم مؤتمرات تطوعية ومؤسسية لترجمة وإنشاء مقالات موسوعية موثقة.
حوافز النشر الرقمي: إلزام أو تشجيع الباحثين العرب بنشر ملخصات أو نسخ كاملة من أبحاثهم باللغة العربية بالتوازي مع النشر في المجلات والمواقع الدولية.
أخيراً، على الرغم من أن عبارة “اعرف نفسك”، هي حكمة قديمة للفيلسوف الإغريقي الشهير سقراط، إلا أنها تصلح كمنطلق أساسي، للنهوض بصناعة المعلومات المعرفية العربية.
عبد القادر الكاملي

You must be logged in to post a comment.