أصبحت مراكز البيانات اليوم القلب النابض للاقتصاد الرقمي العالمي، فهي المحرّك الذي يدعم الخدمات السحابية (Cloud Services)، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وشبكات التواصل الاجتماعي، وتقنيات سلسلة الكتل (Blockchain)، والترفيه، والمنصات الحكومية، والاتصالات. ومع تصاعد حجم البيانات والاستخدام الكثيف للإنترنت والهواتف الذكية، تحوّلت هذه المراكز إلى منشآت ضخمة تستهلك مقادير متزايدة من الطاقة وتلتهم مساحات هائلة من البنية التحتية.
ما هي مراكز البيانات فائقة التوسع؟
مراكز البيانات فائقة التوسع، المعروفة باسم هايبيرسكيل (Hyperscale)، هي منشآت عملاقة ذات قدرات على التوسع الكبير والسريع في الحوسبة والتخزين. صُمِّمت هذه المراكز لاستيعاب مئات الآلاف من الخوادم وربطها معًا بقدرة حوسبية وطاقية واتصالية كبيرة. تُدار هذه المراكز عادةً من قبل الشركات التقنية الكبرى مثل أمازون، وغوغل، ومايكروسوفت، وميتا، وعلي بابا، وتينسنت.
تشمل وظائفها الأساسية استضافة الخدمات السحابية بمستوياتها المختلفة، مثل البرمجيات كخدمة (SaaS)، والمنصة كخدمة (PaaS)، والبنية التحتية كخدمة (IaaS)، إضافة إلى تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي وتشغيلها، ومعالجة البيانات الضخمة وتحليلاتها، وتشغيل منصات التواصل الاجتماعي ومحركات البحث، وتخزين البيانات ومزامنتها، وتقديم خدمات بث الفيديو والمحتوى الترفيهي. تُبنى هذه المراكز عادةً بقوة كهربائية تتراوح بين 100 و500 ميغاواط، وقد تجاوز بعضها 1 غيغاواط، كمجمّع ميتا في ألتونا بولاية آيوا الأمريكية، حيث بلغت قدرته التشغيلية نحو 1.4 غيغاواط، وتُعد الأعلى عالميًا.
استهلاك مراكز البيانات للكهرباء: 2000 مقابل 2025
تشير البيانات إلى قفزة هائلة في استهلاك مراكز البيانات للطاقة عالميًا. ففي عام 2000، كان استهلاك مراكز البيانات العالمية يُقدَّر بنحو 71 تيراواط–ساعة (TWh) فقط، وهو ما يمثل حوالي 0.5% من الاستهلاك العالمي في ذلك العام. وتُقدِّر وكالة الطاقة الدولية (IEA) استهلاك مراكز البيانات للطاقة عام 2024 بنحو 460 تيراواط–ساعة (TWh)، أي ما يقارب 1.5% من الاستهلاك العالمي. وهذا يعني زيادة تقارب 6.5 أضعاف خلال 24 عامًا. ورغم هذا الارتفاع الكبير، فإن النمو الحقيقي لم يبدأ بعد، إذ إن اندفاع الذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل الاجتماعي يفتح الباب لزيادات أكبر بكثير خلال العقد القادم.
العوامل التي ساهمت في انفجار حجم البيانات ونمو المراكز
أولًا: تأثير مفهوم التمرير (Scrolling)
ظهر مفهوم التمرير للمرة الأولى في مختبرات زيروكس بارك (Xerox PARC) عام 1973 ضمن مشروع الحاسوب الثوري ألتو (Xerox Alto). ساهم رواد مثل لاري تيسلر (Larry Tesler)، ودان إنغالز (Dan Ingalls)، وآلان كاي (Alan Kay) في تطوير فكرة النوافذ التي تحتوي على محتوى يمكن تحريكه للأعلى والأسفل عبر شريط تمرير. هذا المفهوم البسيط مكّن من التعامل مع مستندات ضخمة وفتح الباب أمام واجهات استخدام تعتمد على التمرير المستمر، مما زاد حجم المحتوى المعروض، وبالتالي حجم البيانات المخزنة.
ثانيًا: التمرير اللانهائي (Infinite Scrolling)
في عام 2006، ابتكر المصمم آزا راسكن (Aza Raskin) فكرة التمرير اللانهائي، حيث يستمر المحتوى بالتدفق دون الضغط على “الصفحة التالية”. وقد صرّح راسكن لاحقًا: “أشعر بالذنب تجاه هذا الابتكار، لأنك لا تعطي دماغك فرصة للتوقف، فتستمر في التمرير بلا وعي”. هذه الميزة جعلت البشر يقضون مليارات الساعات الإضافية في التمرير على منصات مثل فيسبوك، وإنستغرام، ويوتيوب، ما أدى إلى زيادة هائلة في حجم البيانات المخزنة، والفيديوهات، وتحليلات الإنترنت، وبالتالي التوسع في مراكز البيانات.
ثالثًا: تأثير سلسلة الكتل
يؤدي استخدام سلسلة الكتل (Blockchain) إلى زيادة كبيرة في حجم البيانات، لأنها تتطلب نسخ سجل المعاملات بالكامل بشكل متكرر ومستمر، حيث تُسجَّل كل معاملة بصورة دائمة ومترابطة زمنيًا، مع إضافة معلومات التشفير اللازمة لضمان السلامة والأمان، ما يحول دون إمكانية حذف أي بيانات قديمة. هذا التوزيع والطبيعة التراكمية للسلسلة هما الضمانة الأساسية للشفافية والثقة، لكنهما يأتيان على حساب تضخم مستمر في حجم التخزين، وبالتالي زيادة استهلاك الطاقة الكهربائية.
رابعًا: تأثير الذكاء الاصطناعي
الذكاء الاصطناعي هو العامل الأكثر تأثيرًا اليوم. فنماذج مثل جي بي تي (GPT)، وكلود (Claude)، وجمناي (Gemini) تتطلب تدريبًا مستمرًا، وتشغيلًا كثيفًا، وتخزين مجموعات بيانات هائلة. ويُتوقع أن يصل استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي وحدها إلى نحو 300–400 تيراواط–ساعة عام 2035، أي ما يعادل نحو 1% تقريبًا من استهلاك الكهرباء العالمي.
النمو المتوقع لمراكز البيانات
تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف الطلب العالمي على استهلاك مراكز البيانات للطاقة بحلول عام 2030، ليصل إلى 945 تيراواط–ساعة، أي ما يقارب 3% من استهلاك الكهرباء العالمي. وبحسب مجموعة سينيرجي للأبحاث (Synergy Research Group)، بلغ عدد مراكز بيانات الهايبيرسكيل قيد التشغيل بنهاية الربع الأول من عام 2025 نحو 1,189 مركزًا، وتشير بعض التقديرات الصناعية إلى أن عدد هذه المراكز قد يتجاوز 2,000 مركز بحلول عام 2030، وأن تستحوذ على 60% من سعة مراكز البيانات العالمية في ذلك الوقت.
أما على المدى الأطول (حتى 2035)، فمن المتوقع أن يصل استهلاك مراكز البيانات للطاقة إلى ما بين 1.3 و1.7 ألف تيراواط–ساعة، أي ما يعادل 3–4.5% من كهرباء العالم. وسيشهد العالم مشاريع ضخمة بقدرات غيغاواطية في آسيا والخليج العربي وأمريكا الشمالية، مع بداية انتشار مراكز بيانات متخصصة لأقمار الذكاء الاصطناعي والحوسبة المدارية.
المناطق الجغرافية ومراكز صاعدة في الخليج العربي
تتركز مراكز بيانات الهايبيرسكيل بشكل رئيسي في أمريكا الشمالية، ولا سيما شمال فرجينيا، وأوروبا (ألمانيا، والمملكة المتحدة، وهولندا، وفرنسا)، وآسيا (سنغافورة، واليابان، وكوريا، والهند)، وأوقيانوسيا (أستراليا ونيوزيلندا).
في السنوات الأخيرة، ظهرت بلدان الخليج العربي كلاعب صاعد جديد في هذا المجال، تقوده السعودية، والإمارات، وقطر:
- المملكة العربية السعودية: تقود مشاريع ضخمة، تشمل بناء مراكز بيانات بقدرة 1.3 غيغاواط في الرياض والدمام وجدة، واستضافة مناطق سحابية جديدة لخدمات أمازون، وغوغل، وأوراكل، لدعم رؤية 2030 والذكاء الاصطناعي. كما أعلنت شركة “هيوماين”، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة السعودي، أنها تخطط لإنشاء مركز بيانات بقدرة 6 غيغاواط.
- الإمارات العربية المتحدة: أصبحت أبوظبي ودبي مركزين إقليميين لاستضافة الخدمات السحابية، حيث تتوسع فيهما شركات عالمية مثل مايكروسوفت، وأمازون، وعلي بابا. ويبرز مشروع ستارغيت (Stargate) من شركة G24، الذي يُتوقع أن يبدأ عمله خلال أقل من عام بطاقة 200 ميغاواط، مع إمكانية التوسع لاحقًا إلى 5 غيغاواط.
مراكز البيانات في الفضاء: بداية سباق جديد
شهدت السنوات الأخيرة سباقًا حقيقيًا نحو إنشاء مراكز بيانات في المدار الأرضي المنخفض (LEO)، والمدار المتوسط (MEO)، وحتى على سطح القمر. وتوضح المشاريع الحالية هذا الاتجاه.
مشروع صائد الشمس (Suncatcher)
أعلنت غوغل عن مشروع صائد الشمس لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على مجموعات صغيرة من الأقمار الاصطناعية التي تعمل بالطاقة الشمسية وتتصل ببعضها البعض لاسلكيًا. يهدف المشروع إلى تقليل الضغط على مراكز البيانات الأرضية وتحسين كفاءة المعالجة. ستبدأ التجربة بإطلاق نموذجين أوليين لقمرين صناعيين بحلول أوائل عام 2027، بينما يُتوقع، في حال نجحت الاختبارات، أن يصبح المشروع جاهزًا للاستخدام التجاري نحو منتصف ثلاثينيات العقد المقبل. ويرى ترافيس بيلز، المدير الأول لنماذج الذكاء الاصطناعي في غوغل، أن الألواح الشمسية الفضائية أكثر إنتاجية بما يصل إلى ثمانية أضعاف مقارنة بتلك الموجودة على الأرض.
مشروع ستار كلاود (Starcloud)
هو مشروع طموح لإطلاق أقمار صغيرة مزوّدة بوحدات حوسبة. تعمل على هذا المشروع شركة ناشئة تحمل الاسم نفسه، ستار كلاود، وهي عضو في برنامج إنفيديا لدعم الشركات الناشئة.
في الثاني من نوفمبر 2025، وضعت شركة ستار كلاود قمرها الصناعي الأول، ستار كلاود-1، في المدار، وهو مزوّد بوحدة المعالجة الرسومية إنفيديا H100، التي أصبحت تعمل في الفضاء للمرة الأولى. يزن هذا القمر نحو 60 كغ، ويدور على ارتفاع يقارب 325 كلم، ويبلغ عمره المتوقع 11 شهرًا قبل أن يدخل الغلاف الجوي ويحترق. تهدف الشركة إلى وضع وحدات معالجة رسومية ذات قدرات محدودة في الفضاء الخارجي ابتداءً من عام 2027. وتخطّط الشركة، في حال نجاح هذه التجربة، لبناء مراكز بيانات مدارية ضخمة بقدرة تصل إلى 5 غيغاواط، وتزويدها بمصفوفة شمسية تمتد على مساحة تقارب 4 كيلومترات مربعة.
مراكز بيانات على سطح القمر
تخطط شركات ناشئة، أبرزها لونستار داتا هولدينغز (Lonestar Data Holdings)، لإنشاء أول مراكز بيانات على سطح القمر بهدف تخزين البيانات وتشغيل خدمات رقمية خارج الأرض. بدأت الشركة تطوير هذا المشروع منذ عام 2022، وأرسلت أول حمولة تجريبية إلى القمر في فبراير 2025، لكن الهبوط غير المستقر للمركبة حال دون تشغيل النظام كمركز بيانات فعلي. وتعمل الشركة على تجارب إضافية في بعثات لاحقة، مع توقعات بأن تبدأ أولى الخدمات التجارية المعتمدة على بنية سطح القمر بين عامي 2027 و2028. وحتى الآن، لا يوجد أي مركز بيانات يعمل بشكل كامل على القمر، لكن المشاريع المطوَّرة تشير إلى أن العقد القادم سيشهد أولى التطبيقات شبه التشغيلية في هذا المجال.
هذه المشاريع ما تزال في مرحلة مبكرة، لكنها تستهدف استغلال الطاقة الشمسية الفضائية، وتخفيف الضغط على الأرض، وتوفير حوسبة ذكاء اصطناعي قريبة من الأقمار الصناعية.
خاتمة
تتحول مراكز البيانات إلى البنية التحتية الخفية التي يقوم عليها العالم الرقمي. فمن التمرير البسيط في سبعينيات زيروكس بارك (Xerox PARC)، إلى التمرير اللانهائي الذي يستهلك مليارات الساعات، وصولًا إلى الذكاء الاصطناعي الذي يتطلب حوسبة غير مسبوقة، تتوسع هذه المراكز بلا توقف. ومع دخول دول جديدة، وصعود الذكاء الاصطناعي، وظهور مراكز بيانات في الفضاء، يمكن القول إن العقدين المقبلين سيشهدان أكبر إعادة تشكيل لبنية المعلومات في تاريخ البشرية.
عبد القادر الكاملي

You must be logged in to post a comment.