في عام 1997 وحين لم يتجاوز عدد مستخدمي الإنترنت العرب ثلاثمئة ألف مستخدم وعدد صفحات الويب العربية مليون صفحة، أعلنت شركة “أين” اللبنانية عن إطلاق أول محرك بحث باللغة العربية للإنترنت، وذلك قبل عام من إطلاق جوجل لمحرك بحثها الذي لم يدعم العربية في بداياته، ولم يكن في ذلك الحين أي محرك بحث عالمي يدعم اللغة العربية، وإن بشكل سطحي سوى محرك البحث ألتافيستا. وفي عام 2012 أوقفت شركة “أين” عمل محرك البحث وغيرت اتجاه عملها.
حاولت عدة شركات عربية أخرى تطوير محرك بحث عربي للإنترنت. ففي عام 2006 أطلقت شركة مكتوب الأردنية محرك البحث “عربي”، ثم أغلقته مباشرة بعد بيع مكتوب إلى ياهو عام 2009.
وفي عام 2007 أطلقت شركة أوراسكم تيليكوم المصرية محرك البحث “أنكش”، لكنها أوقفت عمله لأسباب تجارية عام 2010.
هل استحالة منافسة محرك بحث جوجل كانت السبب وراء اخفاق محركات البحث العربية؟
تسعى محركات البحث التي أنشأتها بلدان عديدة إلى منافسة جوجل على صعيد اللغات التي تنطق بها شعوبها. وفي هذا الإطار نجحت عدة محركات بحث في تحقيق هذا الهدف. فوفق بيانات عام 2015، يسيطر محرك البحث الكوري الجنوبي “نيفر” على 77 بالمئة من السوق الكورية يليه محرك بحث كوري جنوبي آخر هو “داوم” يسيطر على 20 بالمئة من السوق، أما حصة جوجل في كوريا الجنوبية فهي هامشية جداً. وفي روسيا تبلغ حصة محرك البحث الروسي “ياندكس” السوقية 58 بالمئة مقابل 34 بالمئة لجوجل، وتتشارك عدة محركات بحث أخرى على نسبة 8 بالمئة المتبقية. أما في الصين فمحرك البحث “بايدو” يسيطر على 55 بالمئة من السوق، يليه محرك بحث صيني آخر هو “كيهو 360” ويسيطر على 28 بالمئة من السوق، أما جوجل فقد انسحبت من الصين عام 2010، لكنها بدأت قبل فترة قصيرة في الإعداد للعودة إليها مجدداً.
أثبتت التجارب العالمية إذاً أن منافسة جوجل على صعيد اللغات الوطنية ليس بالأمر المستحيل.
لماذا إذاً فشلنا في تطوير محرك بحث عربي فعال على شبكة الإنترنت؟
يمكن تلخيص الأسباب الرئيسية فيما يلي:
– ضآلة حجم الاستثمار
كانت المبالغ التي خصصت للاستثمار في محركات البحث العربية، صغيرة جداً، مقارنة مع ما يتطلبه مشروع استراتيجي معقد مثل محرك البحث، والغريب أن أحد المؤتمرات الذي نظمته مؤسسة عربية مرموقة، خرج بتوصيات تنص على ضرورة إنشاء محرك بحث عربي، وأن تكلفته تقدر بنحو مليون دولار أمريكي! فيما يحتاج تطوير هذا المشروع واقعياً إلى عشرات الملايين من الدولارات.
– صغر حجم الفهرس
يرتبط نجاح محرك البحث العربي بعدد صفحات الويب العربية التي يفهرسها. للأسف، لم يتجاوز حجم أكبر فهرس لصفحات الويب العربية التي وفرها محرك بحث عربي، 10 في المئة من صفحات الويب العربية التي فهرسها محرك جوجل.
-غياب الحرفية والابتكار
يتطلب مشروع محرك بحث عربي ناجح فريقاً من المهنيين والخبراء من ذوي المهارات العالية في مجال تكنولوجيا البحث واللغة العربية، ويجب أن يبدأ المشروع بتأسيس مركز متخصص بدراسات البحث باللغة العربية. للأسف، لم يوفر أي من مشاريع محركات البحث العربية مثل هذا الفريق ولم ينشئ مركزاً للأبحاث. وكانت النتيجة ضعف الدعم للغة العربية والخدمات المحلية والثقافية المرتبطة به.
– ضعف الإنفاق على إعلانات الإنترنت في العالم العربي عند تأسيس تلك المحركات
عندما ظهر أول محرك بحث عربي عام 1997 كان سوق إعلانات الإنترنت العربي صغيراً جداً، ولم يتعدى عشرات الآلاف من الدولارات. وعندما ظهر محرك بحث مكتوب “عربي” عام 2006، كان سوق إعلانات الإنترنت العربي قد بلغ نحو 15 مليون دولار. وعندما ظهر المحرك “أنكش” عام 2007 كان سوق إعلانات الإنترنت العربي قد وصل إلى نحو 28 مليون دولار. تعتبر هذه المبالغ صغيرة جداً، خاصة أنها تتوزع على عشرات بل ومئات مواقع الويب ومحركات البحث الناشطة في المنطقة العربية.
تغير هذا الوضع بشكل دراماتيكي في الأعوام القليلة الماضية، حيث تجاوز سوق إعلانات الإنترنت العربي عام 2015 نصف مليار دولار، ذهب نصفها تقريباً إلى محركات البحث العالمية. ويتوقع أن يتجاوز حجم سوق إعلانات الإنترنت العربي مليار دولار عام 2018، سيذهب نصفها تقريباً إلى محركات البحث العالمية. وهذا يعني أنه في حال تمكن محرك بحث عربي من الحصول على 5 بالمئة من حصة محركات البحث فهذا يعادل 25 مليون دولار عام 2018.
هل أصبح الوقت متأخراً للتفكير بتطوير محرك بحث عربي فعال؟
البحث عبر الإنترنت علم لا يزال في مرحلة الطفولة الأولى، وسيبقى مجالاً خصباً للأبحاث المرتبطة بالفهم الآلي للغة العربية لمئات السنين المقبلة، وهذا ما يؤكده الخبراء في هذا المجال، وفي طليعتهم خبراء جوجل.
إن محرك البحث العربي هو بمثابة البنية الأساسية لتطوير كافة الأدوات اللغوية الرقمية التي ستلعب دوراً محورياً في إرساء المجتمع المعرفي، كالفهم الآلي للغة العربية وتطوير صناعة الترجمة الآلية الفورية، والتفاعل بين الإنسان والآلة، والمساهمة في وضع قواعد الويب العربي الدلالي والتطبيقات المناسبة لفهم المحتوى العربي، وهي مسائل أساسية لتطوير المحتوى العربي الرقمي في كافة أنحاء العالم، وسوف يؤدي هذا إلى المساهمة في تأسيس علم البحث في المحتوى العربي الذي سيكون من العلوم الأساسية الجديدة التي لا غنى عنها في مجتمع المعرفة.
إن مشروع إنشاء محرك بحث عربي جديد على شبكة الإنترنت هو ضرورة حضارية، وذو جدوى اقتصادية في الوقت ذاته، بالإضافة إلى كونه استثماراً استراتيجياً لا غنى عنه إذا أردنا النهوض ببلداننا في عصر المعرفة. فهل نترك أقدارنا اللغوية بيد الشركات العالمية؟
وهل وصل بنا العجز إلى درجة الانسحاب من إنشاء صناعات ترتبط مباشرة باللغة والثقافة والهوية العربية؟
عبد القادر الكاملي

You must be logged in to post a comment.