فخ دجاجة راسل (Russell’s Chicken Trap) هو تعبير مجازي طريف وعميق، استخدمه الفيلسوف برتراند راسل في كتابه “مشكلات الفلسفة” ليجسد المعضلة المعرفية التي يقع فيها العقل البشري يومياً عندما يثق ثقة عمياء بأن “المستقبل سيكون دائماً تكراراً للماضي”. تتلخص هذه المعضلة في السيناريو التالي:
أولاً: سيناريو الفخ (منظور الدجاجة)
تخيل دجاجة تعيش في مزرعة، وفي كل يوم من حياتها يأتي الفلاح في ساعة محددة ليعطيها الطعام.
- في اليوم الأول: جاء الرجل وأطعمها.
- في اليوم المائة: جاء الرجل وأطعمها.
- في اليوم الثلاثمائة: جاء الرجل وأطعمها.
بناءً على هذا التكرار المستمر (300 يوم من الأمان)، وثقت الدجاجة تماماً في الفلاح وفي استقرار عالمها الصغير.
ثانياً: الربط بمشكلة الاستقراء
ما وقعت فيه الدجاجة هنا هو “فخ الاستقراء الساذج”؛ حيث انتقل عقلها من ملاحظة حالات جزئية متكررة (رؤية الفلاح يطعمها كل يوم) إلى صياغة قانون كلي عام (الفلاح مصدر أمان دائم)، ثم عممت هذا الحكم على المستقبل (سأحصل على الطعام غداً).
فخ الاستقراء هنا يكمن في أن الدجاجة اعتبرت “التكرار” دليلاً كافياً على “اليقين”، ولم تدرك أن الاستقراء التجريبي لا يمكنه أبداً أن يضمن أن الحالة رقم (301) ستكون كالحالات الـ (300) السابقة، لأن علاقة التكرار الزمنية ليست علاقة سببية حتمية.
ثالثاً: لحظة سقوط الفخ
في اليوم التالي (اليوم 301 في هذا المثال)، يأتي الفلاح في نفس الموعد تماماً. تهرع الدجاجة إليه بكل ثقة واطمئنان وهي تتوقع العلف بناءً على استقرائها الماضي… لكن الفلاح هذه المرة يلوي عنقها ليذبحها بدلاً من إطعامها “كتاب مشكلات الفلسفة”. هنا انهار يقين الدجاجة القائم على التكرار في لحظة واحدة.
رابعاً: التطبيق في حياة البشر
راسل يخبرنا أن هذا الفخ ليس حكراً على الدجاج، بل نعيش فيه كبشر طوال الوقت:
- في الاقتصاد: عندما يستثمر شخص في سهم يرتفع يومياً لسنوات، فيطمئن ويضع كل ثروته، ثم يستيقظ على انهيار مفاجئ للشركة (لحظة ليّ العنق).
- في الكوارث الطبيعية: عندما يستقر البشر في منطقة آمنة لم تشهد زلازل منذ قرون، فيبنون بيوتاً غير مقاومة للزلازل بناءً على استقراء الماضي، حتى يأتي يوم الكارثة المفاجئة.
لهذا السبب تحديداً، اعتبر الفلاسفة (مثل كارل بوبر) أن العلم لا يجب أن يثق بالتكرار الساذج، بل يجب أن يظل دائماً مستعداً لاحتمالية “تغير القواعد” في أي لحظة.
ماذا عن الاستقراء في العلوم؟
يقول بوبر: العلم لا يستخدم الاستقراء أصلاً! بل يعتمد على منهج آخر يسمى المنهج الفرضي الاستنباطي وقائم على مبدأ القابلية للتكذيب (Falsifiability).
كيف يعمل ذلك؟ العالم لا يجمع ملاحظات ليصل إلى قانون (استقراء)، بل يضع “فرضية جريئة” أولاً، ثم يحاول بكل الطرق إثبات خطئها وتكذيبها عبر التجربة (وليس إثبات صحتها).
مثال دجاجة راسل: لو كانت الدجاجة تتبع منهج بوبر العلمي، لكانت فرضيتها هي: “الرجل يطعمني كل يوم ويوفر لي الأمان، لكن هذا قد لا يتكرر دائماً”، وستظل هذه الفرضية مؤقتة حتى تأتي لحظة “التكذيب” (ليّ عنقها)، وهنا يسقط الفرض ويبحث العلم عن فرضية جديدة وأشمل. بالنسبة لبوبر، العلم يتقدم عبر دحض النظريات الخاطئة، لا عبر إثبات النظريات الصحيحة.

You must be logged in to post a comment.