قبل أكثر من سبعين عاماً، بدأ الذكاء الاصطناعي بوصفه فكرةً جريئةً أكثر من كونه تقنيةً قائمة. ففي 31 أغسطس/آب 1955، ظهر مصطلح الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) للمرة الأولى في مقترح علمي أعدّه أربعة باحثين أمريكيين هم: جون مكارثي، ومارفن مينسكي، وناثانيال روتشستر، وكلود شانون، تمهيداً لما أصبح يُعرف لاحقاً بـمشروع دارتموث.
لم يقدّم أصحاب المقترح تعريفاً قاموسياً مباشراً للذكاء الاصطناعي، وإنما عبّروا عن الفرضية التي قامت عليها الفكرة بأسرها، إذ كتبوا أن الدراسة ينبغي أن تقوم على أساس الافتراض القائل إن كل جانب من جوانب التعلّم، أو أي سمة أخرى من سمات الذكاء، يمكن، من حيث المبدأ، وصفه بدقة بالغة، بحيث يمكن صنع آلة تحاكيه.
وكان هذا تصوراً بالغ الجرأة في ذلك الزمن، إذ افترض أن الذكاء، الذي كان يُنظر إليه بوصفه خاصيةً إنسانيةً معقدة، يمكن تفكيكه ووصفه بصورة دقيقة إلى درجة تمكّن الآلات من محاكاته. وقد حدّد المقترح أهدافاً طموحة شملت قدرة الآلات على استخدام اللغة، وتكوين المفاهيم والتجريدات، وحل المشكلات التي كانت تتطلب آنذاك ذكاءً بشرياً، بل وحتى تحسين أدائها ذاتياً.
وفي صيف 1956، انعقدت ورشة دارتموث، التي يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها لحظة التأسيس الرسمية للذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً علمياً مستقلاً. ومنذ ذلك الحين، انتقل الذكاء الاصطناعي من مختبرات محدودة الإمكانات إلى أحد أهم محركات التحول العلمي والاقتصادي والاجتماعي في القرن الحادي والعشرين.
غير أن السؤال الذي طرحه رواد دارتموث قبل سبعة عقود لم يفقد أهميته، بل أصبح أكثر إلحاحاً اليوم: هل تستطيع الآلة أن تحاكي الذكاء البشري فحسب، أم أننا نشهد بداية ظهور أنماط جديدة من الذكاء تتجاوز حدود الإنسان نفسه؟
إليزا: أولى المحاولات للحوار بين الإنسان والآلة
في منتصف الستينيات، ظهر برنامج إليزا (ELIZA) الحواري، الذي طوّره عالم الحاسوب الألماني-الأمريكي جوزيف فايزنباوم في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بين عامي 1964 و1966، ونُشرت ورقته التعريفية عام 1966. وكان البرنامج من أوائل البرامج التي أتاحت للإنسان إجراء حوار باللغة الطبيعية مع آلة، واشتهر بمحاكاة أسلوب المعالج النفسي.
ورغم أن برنامج إليزا لم يكن يفهم ما يقوله المستخدم، بل اعتمد على التعرف إلى كلمات مفتاحية وقواعد محددة لإعادة صياغة مدخلاته، فإن تأثيره كان كبيراً، إذ أقنع بعض المستخدمين بأنهم يتحدثون إلى نظام يفهم مشاعرهم. ومن هنا برزت ظاهرة عُرفت لاحقاً باسم تأثير إليزا (ELIZA effect)، أي ميل الإنسان إلى إسقاط صفات بشرية، مثل الفهم والتعاطف، على الآلة لمجرد أنها تتفاعل معه بطريقة تبدو بشرية.
ومن أشهر الأمثلة على حوارات إليزا (ELIZA)، عندما كانت تحاكي أسلوب المعالج النفسي:
المستخدم: أشعر بأنني غير سعيد.
إليزا: ما الذي يجعلك تعتقد أنك غير سعيد؟
المستخدم: لأنني أشعر أنني وحيد.
إليزا: هل تشعر بالوحدة كثيراً؟
المستخدم: نعم، وأشعر أن لا أحد يفهمني.
إليزا: لماذا تعتقد أن لا أحد يفهمك؟
الأنظمة الخبيرة
بعد إليزا، جاء تحول مهم في الثمانينيات مع ظهور الأنظمة الخبيرة، وعلى رأسها نظام XCON، الذي أثبت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحول من تجربة بحثية إلى أداة تجارية تحقق قيمة اقتصادية حقيقية.
فقد أصبح الحاسوب قادراً على استخدام آلاف القواعد التي تمثل خبرة البشر في تشخيص المشكلات، واتخاذ القرارات، واختيار مكونات الحواسيب المناسبة وتركيبها تلقائياً وفق مواصفات كل عميل، مع التأكد من توافق المكونات معاً.
ديب بلو: هزيمة بطل العالم في الشطرنج
في عام 1989، بدأت شركة آي بي إم (IBM) العمل على تطوير حاسوب قادر على لعب الشطرنج بمستوى عالٍ. لكن النقلة النوعية جاءت عام 1997، عندما تمكن الحاسوب العملاق ديب بلو (Deep Blue) من هزيمة بطل العالم آنذاك غاري كاسباروف في جولة من ست مباريات. وكان ذلك أول انتصار لحاسوب على بطل عالم حالي في مباراة شطرنج وفق شروط البطولة القياسية.
وظهر على غلاف مجلة نيوزويك عنوان شهير “الوقفة الأخيرة للعقل البشري”.
واتسون: الذكاء الاصطناعي يدخل عالم المعرفة العامة
احتل الذكاء الاصطناعي العناوين الرئيسية للصحف عام 2011، عندما فاز حاسوب واتسون (Watson)، الذي طورته شركة آي بي إم، على اثنين من أبرز المتسابقين في البرنامج التلفزيوني الشهير Jeopardy!، وهما كين جينينغز وبراد رَتَر. وكان جينينغز يحمل الرقم القياسي آنذاك في عدد مرات الفوز المتتالي في البرنامج، بواقع 74 فوزاً. وقد استغرق تطوير نظام واتسون نحو خمس سنوات.
كان واتسون نظاماً متقدماً للإجابة عن الأسئلة باللغة الطبيعية، واعتمد على تحليل كميات ضخمة من المعلومات، بما فيها ويكيبيديا والموسوعات والقواميس والكتب وغيرها من المصادر، من أجل توليد الإجابات وتقييم الأدلة المرتبطة بها.
وكانت شبكة إم بي سي (MBC) قد أعدّت في العام نفسه نسخة عربية من البرنامج تحت اسم “المحك”، وعُرضت على قناة MBC1 ابتداءً من نوفمبر 2011.
ألفاغو: الآلة تتعلم لعبة غو
في أكتوبر 2015، صممت شركة ديبمايند (DeepMind) برنامج ألفاغو (AlphaGo) لتحدي البشر في لعبة غو (Go)، وهي لعبة صينية قديمة ومعقدة للغاية، وتُعد أكثر صعوبة بالنسبة إلى الحواسيب من الشطرنج بسبب العدد الهائل من النقلات والاحتمالات الممكنة.
وفي مارس 2016، تمكن ألفاغو من الفوز على بطل العالم في لعبة غو لي سيدول بنتيجة 4-1، بعد أن دُرّب في البداية على آلاف الألعاب التي لعبها البشر، ثم خضع أيضاً للتعلم من خلال اللعب ضد نسخ من نفسه.
وفي18 أكتوبر 2017، أصدرت ديبمايند نسخة جديدة باسم ألفاغو زيرو (AlphaGo Zero)، تميزت بعدم اعتمادها على بيانات الألعاب البشرية. فبعد تزويد البرنامج بقواعد اللعبة، درّب نفسه بنفسه من خلال لعب ملايين المباريات ضد نفسه. وتمكن خلال فترة قصيرة من التفوق على الإصدار السابق من ألفاغو، في اختراق مهم في مجال التعلم المعزز.
المحوّلات ونماذج اللغة الكبيرة
في عام 2017 ظهرت معمارية المحوّلات (Transformers)، التي قدمها باحثون من غوغل في ورقة (Attention Is All You Need)، وقد اعتمدت المعمارية على آلية الانتباه الذاتي (Self-Attention)، وأصبحت لاحقاً الأساس التقني لعدد كبير من نماذج اللغة الكبيرة الحديثة.
وفي عام 2018، أطلقت شركة أوبن إيه آي (OpenAI) نموذج GPT-1، الذي استفاد من معمارية المحوّلات والتدريب المسبق غير الخاضع للإشراف، ثم أطلقت غوغل في العام نفسه نموذج BERT، الذي أصبح من النماذج المهمة في تطور معالجة اللغة الطبيعية.
وفي عام 2020، حدثت قفزة كبيرة مع إطلاق GPT-3، الذي أظهر قدرة غير مسبوقة آنذاك على توليد النصوص وتنفيذ مجموعة واسعة من المهام اللغوية من خلال التعليمات النصية.
ثم جاء إطلاق ChatGPT في 30 نوفمبر 2022، ليجعل التفاعل مع النماذج اللغوية المتقدمة متاحاً على نطاق جماهيري واسع، ويفتح مرحلة جديدة في استخدام الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية والعمل والتعليم والبرمجة.
وتلا ذلك انتشار نماذج قوية أخرى، بما فيها نماذج مفتوحة الأوزان، مما ساعد على توسيع دائرة الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي.
الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط
في يناير 2021، قدمت أوبن إيه آي نموذج CLIP، الذي تعلم الربط بين النصوص والصور، ونموذج DALL-E، القادر على توليد صور من أوصاف نصية. مثّل ذلك تقدماً مهماً في دمج المعلومات البصرية واللغوية، ومهّد الطريق لتطور نماذج أكثر قدرة على التعامل مع أنواع متعددة من البيانات.
ألفافولد: الذكاء الاصطناعي يدخل قلب علم الأحياء
منذ عام 2020، طورت ديبمايند سلسلة نماذج ألفافولد (AlphaFold)، التي أحدثت تحولاً كبيراً في علم الأحياء البنيوي من خلال القدرة على التنبؤ بالبنية ثلاثية الأبعاد للبروتينات.
وفي عام 2022، أتاحت ديبمايند، بالتعاون مع معهد المعلوماتية الحيوية التابع للمختبر الأوروبي للبيولوجيا الجزيئية (EMBL-EBI)، أكثر من 200 مليون تنبؤ ببنية البروتينات، تغطي تقريباً جميع البروتينات المفهرسة المعروفة للعلم آنذاك.
وفي عام 2024، ظهر AlphaFold 3، الذي وسّع نطاق التنبؤ من البروتينات إلى جزيئات حيوية أخرى، بما فيها الأحماض النووية مثل DNA وRNA والجزيئات الصغيرة، بما يتيح دراسة تفاعلات أكثر تعقيداً بين الجزيئات الحيوية.
وفي العام نفسه، مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2024 مناصفةً إلى ديميس هاسابيس وجون جامبر عن عملهما في التنبؤ ببنية البروتينات، وإلى ديفيد بيكر عن تصميم البروتينات الحاسوبية.
من روبوتات المحادثة إلى وكلاء الذكاء الاصطناعي
ظهر مفهوم وكلاء الذكاء الاصطناعي (AI Agents) في الأبحاث منذ عقود، لكن قدراته شهدت تطوراً سريعاً مع ظهور نماذج اللغة الكبيرة. ومنذ عامي2023 و2024، بدأ الاتجاه نحو دمج النماذج اللغوية الكبيرة مع أدوات خارجية، وذاكرة، وقدرات على التخطيط وتنفيذ سلسلة من الخطوات، مما أدى إلى ظهور ما يُعرف اليوم باسم وكلاء الذكاء الاصطناعي القائمين على نماذج اللغة الكبيرة (LLM-based Agents). وخلال2025 و2026، تسارع هذا الاتجاه مع انتقال الوكلاء من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى تنفيذ مهام طويلة نسبياً، مثل البرمجة، واستخدام أدوات الحاسوب، والبحث، وتحليل المعلومات، وإنجاز عدد من المهام المتتابعة بصورة شبه مستقلة. وتصف أوبن إيه آي هذا التحول بأنه انتقال من التفاعل القصير مع روبوتات المحادثة إلى تفويض مهام طويلة الأمد للوكلاء، القادرين على استخدام الأدوات والتفاعل مع البيئات الرقمية وتكرار المحاولات للوصول إلى الهدف.
وهكذا يبدو أن الذكاء الاصطناعي ينتقل تدريجياً من نموذج المساعد الذي ينتظر سؤال الإنسان ويجيب عنه إلى نموذج الوكيل القادر على التخطيط وتنفيذ سلسلة من الإجراءات لتحقيق هدف محدد.
توقعات إيريك شميدت لتطور الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة
رسم إيريك شميدت (Eric Schmidt)، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، تصوراً متسارعاً جداً لتطور الذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة، أطلق عليه اسم إجماع سان فرانسيسكو (San Francisco Consensus). والمقصود بهذا المصطلح، كما يشرحه شميدت، هو مجموعة من المعتقدات السائدة بين عدد من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في وادي السيليكون، بشأن سرعة تطور قدرات الذكاء الاصطناعي وتأثيرها المحتمل في السنوات المقبلة. ويؤكد شميدت أن وصفه لهذا التصور بأنه “إجماع” لا يعني بالضرورة أنه سيتحقق، بل يشير إلى اعتقاده بوجود مجموعة من العاملين في هذا المجال تتبنى هذه الرؤية.
وقد تناول شميدت هذا التصور في مناسبات عدة خلال عام 2025، من بينها مشاركته في قمة RAISE في باريس في يوليو 2025، ثم نشر مقال بعنوان (The San Francisco Consensus) في ديسمبر 2025.
خلال عام واحد
المبرمجون: توقع شميدت أن تحل برمجيات أو وكلاء ذكاء اصطناعي محل نسبة كبيرة من المبرمجين البشريين في أداء مهام البرمجة.
علماء الرياضيات: توقع ظهور أنظمة ذكاء اصطناعي بقدرات رياضية متقدمة جداً، يمكن أن تقترب من مستوى أفضل المتخصصين في بعض المجالات.
خلال عامين
التحسين الذاتي المتكرر: يرى شميدت أن الجمع بين قدرات الاستدلال والبرمجة والرياضيات قد يقود إلى ما يسمى التحسين الذاتي المتكرر (Recursive Self-Improvement)، أي قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على المساهمة بصورة متزايدة في تطوير البرمجيات والأنظمة التي تقوم عليها، بما قد يمهد لمرحلة تتعلم فيها الأنظمة وتحسّن قدراتها بدرجة تقلل اعتمادها على التدخل البشري المباشر.
ويشير شميدت إلى أن بعض فرق البحث في شركات مثل أوبن إيه آي وأنثروبيك تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة للمساعدة في إنتاج البرمجيات، ويرى أن توسع هذا الاستخدام يمكن أن يصبح عاملاً مهماً في تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي نفسه.
المدى الأبعد
بعد العامين الأولين، تصبح توقعات شميدت أكثر جذرية.
من 3 إلى 5 سنوات: يتوقع ظهور الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، الذي يعرّفه بصورة تقارب مستوى أذكى البشر في مجالات متعددة، مثل الرياضيات والفيزياء والفن والكتابة والتفكير وغيرها.
خلال نحو 6 سنوات: يتوقع ظهور الذكاء الاصطناعي الفائق (ASI)، أي أنظمة تتجاوز الذكاء البشري على نطاق واسع، بحيث تصبح قدراتها المعرفية أكبر من مجموع القدرات البشرية.
وتظل هذه التقديرات رؤية مستقبلية ينسبها شميدت إلى ما يسميه “إجماع سان فرانسيسكو”، وليست نتائج علمية يمكن الجزم بتحققها في هذه الأطر الزمنية.
عبد القادر الكاملي

You must be logged in to post a comment.