نشر أول مرة بتاريخ : 25/9/2021
في مسلسل الخيال العلمي الكربون المعدل (Altered Carbon) الذي أنتجته نتفليكس عام 2018، والذي تدور أحداثه في نهاية القرن الرابع والعشرين، يصبح تخزين وعي الإنسان رقمياً (ذاكرته وقدراته العقلية وشخصيته) ضمن شريحة إلكترونية ممكناً. وعندما يفنى الجسد الطبيعي، يمكن زرع الوعي الرقمي ضمن جسد اصطناعي. وإذا تعرض الجسد الاصطناعي للضرر يمكن استبداله وزرع الوعي في جسد آخر. وهكذا يمكن للإنسان تجنب الموت شرط ألا تتضرر شريحته الرقمية، غير أن الوصول إلى هذه التقنية، وفق هذا المسلسل، مكلف وليس متاحاً أمام الجميع.
في عام 2018 طرح مؤسس شركتي تسلا وسبيس إكس إيلون ماسك فكرة مشابهة إذ يقول: “إذا ماتت ذاتك بيولوجيا، يمكنك تحميلها في كيان جديد”، وأضاف “سيناريو الدمج مع الذكاء الاصطناعي هو السيناريو الأفضل على الأرجح”. و”إذا كنت لا تستطيع التغلب عليه، انضم إليه”. أما الملياردير الروسي ديمتري ايتسكوف فهو يعمل فعلياً على مشروع يهدف إلى نشر كافة بيانات دماغه وشخصيته على كمبيوتر عملاق بحلول العام 2045، سعياً وراء الخلود الرقمي.
تأخذ الجهود العلمية/التقنية الأساسية في مجال إيجاد علاج للشيخوخة منحى آخر يتمثل في إعادة برمجة الخلايا وتجديد الأنسجة، وطباعة الأعضاء، وتعديل الجينات. وإذا كان الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين (DNA) مسؤولا عن هندسة الجسم، فإن البروتينات هي مواد بنائه. ومع تقدم العمر، يبدو أن العديد من البروتينات التي تحتاجها أجسامنا للعمل بكفاءة تتراجع، بينما تتراكم البروتينات التالفة في أماكن غير مريحة.
في عام 2017، أطلقت شركة فلاغشيب بايونيرينغ (Flagship Pioneering) التي كانت وراء تمويل شركة اللقاحات موديرنا، شركة جديدة باسم لاروند (Laronde). تم استخدام الحمض النووي الريبوزي المرسال (mRNA) في لقاحي موديرنا وفايزر-بيونتيك لإرسال تعليمات إلى الخلايا لصنع نسخة من البروتين الشوكي الموجود على سطح فيروس كوفيد-19، حيث يحفز هذا البروتين الشوكي جهاز المناعة لدى الإنسان لإنتاج أجسام مضادة تحميه من فيروس كوفيد-19 الحقيقي. استخدام هذه الطريقة لإنتاج علاجات تعترضه بعض الصعوبات، كون التعليمات المرسلة إلى الخلية لا تدوم طويلاً وتصعب حمايتها من التهديدات الخارجية، ولهذا تم تطويرها إلى تقنية الحمض النووي الريبوزي ذو النهاية المغلقة (Endless RNA) واختصاراً eRNA، التي توفر ديمومة واستقراراً طويل الأمد للتعليمات، وتغطي أي نوع من البروتينات، وتمثل نهجاً ثورياً لصناعة الأدوية وعلاج الأمراض بما في ذلك الشيخوخة.
يقول دييغو ميراليس الرئيس التنفيذي لشركة لاروند: “تخيل أننا تمكّنا من إعطاء تعليمات إلى خلايا الإنسان عبر الحمض النووي الريبوزي، بحيث تدفع هذه الخلايا لإنتاج البروتينات اللازمة لشفاء الأمراض. فكر فقط في كيف سيغير ذلك مفهومنا للأدوية وطرق صناعتها”. تتوقع الشركة انتاج مئات الأدوية باستخدام هذه التقنية خلال هذا العقد.
بدأت تجارب الموجة الأولى من العلاجات المضادة للشيخوخة على البشر قبل عدة سنوات. ففي سبتمبر 2015، أجرت إليزابيت باريش رئيسة شركة بيوفيفا (BioViva) علاجاً جينياً على نفسها يهدف للحد من تقدم العمر. ينقسم العلاج إلى شقين إحداهما يهدف إلى الحد من ضمور الكتلة العضلية مع التقدم بالعمر، والآخر لإطالة التيلوميرات باستخدام الفيروسات (التيلوميرات هي نهايات الكروموسومات التي تحمي الحمض النووي من الأضرار، والتي يتناقص طولها قليلاً مع كل انشطار). وكان هذا النوع من العلاج قد أثبت نجاحه على الفئران وأدى إلى إطالة أعمارها. أجريت العملية في كولومبيا (بسبب عدم موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على إجرائها في الولايات المتحدة). وفيما أكدت باريش نجاح العملية، شككت معظم الدوائر العلمية في ذلك.
ومن الأدوية التي تجري تجربتها حالياً عقاقير سينوليتيك (Senolytic) التي تعمل على إزالة الخلايا التي تتراكم مع تقدمنا في العمر (تسمى الخلايا المسنّة). تقمع الخلايا المسنة الآليات الطبيعية لإصلاح الخلايا المريضة، بالإضافة إلى أنها تخلق بيئة سامة للخلايا المجاورة. ومن المتوقع أن تتاح هذه العقاقير تجارياً قريباً.
النجاح في إيجاد حلول لهذه العوامل سيؤدي إلى إبطاء الشيخوخة ومد حياة الإنسان بشكل كبير. يتوقع العالم البريطاني المستقبلي أوبري دي غراي أن تتوفر تقنيات إعادة الشباب إلى الفئران الهرمة عام 2022، وتقنيات إعادة الشباب إلى الإنسان الهرم عام 2037. ويرى أوبري دي غراي أنه في ذلك العام سيتمكن العلم من زيادة عمر الإنسان بأكثر من سنة واحدة في السنة الواحدة، وهو ما أطلق عليه مصطلح سرعة الإفلات من العمر المتوقع (Longevity Escape Velocity). لنفترض أن عمرك المتوقع جينياً هو 80 عاماً وأنت الآن في التاسعة والسبعين. ولنفترض أن العلوم والتكنولوجيا نجحت خلال العام المتبقي لك (وفق الحسابات القديمة) في تمديد عمرك المتوقع سنة إضافية واحدة، إلى 81 عاماً، ثم نجحت العلوم والتكنولوجيا خلال هذا العام بتمديد عمرك المتوقع عاماً آخر، وهكذا، ففي هذه الحالة قد تعيش فترة طويلة جداً. هذا المصطلح مستوحى من مصطلح فيزيائي شهير هو سرعة الإفلات من الجاذبية الأرضية (Earth’s escape velocity) ويعرف بأنه السرعة الدنيا المطلوبة لجسم ما لكي يتمكن من الهروب من جاذبية الأرض ومغادرتها، وهذه السرعة تساوي تقريبا 11.2 كيلومتر/ ثانية.
تذكر بعض كتب التاريخ أن بابا روما إينوسنت الثامن (عاش في القرن الخامس عشر) تدهورت حالته الصحية وهو في سن الستين فما كان من طبيبه إلا أن سحب الدم من ثلاثة اطفال يبلغ عمر كل منهم 10 سنوات ونقله إلى البابا بهدف استعادة صحته. النتيجة كانت موت الأطفال الثلاثة والبابا أيضاً.
في حلقة فتى الدم (The Blood Boy) من المسلسل التلفزيوني وادي السيليكون (Silicon Valley) يشتري الملياردير جافين بيلسون الذي يقوم بدوره مات روس، خدمات نقل الدم من الفتى بريس الذي يقوم بدوره جراهام روجرز، بهدف العيش إلى الأبد. هذه الصورة ليست بعيدة عن الواقع، إذ أجريت العديد من التجارب الفعلية لنقل الدم من صغار السن إلى كبار السن، بهدف تحسين الصحة وإطالة الحياة، لكن الجدل العلمي حول فوائد وأضرار هذه العملية على الإنسان ما زال مستمراً على الرغم من ظهور فوائد ملموسة عند تجربتها على الفئران. لا تزال هذه التجارب مستمرة لكنها انتقلت للبحث عن العوامل المعززة للشباب في الدم، كي يجري نقلها بدلاً من نقل الدم بأكمله.
أخيراً: يرى بعض المفكرين أنه من الأجدى التركيز على “العمر الصحي” بدلاً من “طول العمر”، واستجابة لهذه الفكرة أطلقت الحكومة البريطانية في إطار استراتيجيتها للقطاع الصناعي لعام 2019، خطة وصفتها آنذاك بـ “التحدي الكبير”، وهي تتمثل في إضافة خمس سنوات من “العمر الصحي” لكل مواطن بحلول عام 2035. لكن يبدو أن التقدم العلمي/التقني الكبير، وحلم الإنسان في الخلود، والمليارات المتزايدة التي يجري ضخها حالياً في هذا المجال لن توقف الإنسان عن مطاردة هذا الحلم.
عبد القادر الكاملي
مسار للأبحاث
السبت, 28 أكتوبر 2023
/
Published in
آراء |

You must be logged in to post a comment.